صلة الرحم:
روى
الشيخان من حديث عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ في قصة بدء الوحي ومجيء الملك إلى
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ
حِرَاءٍ يَتَحَنَّثُ فِيهِ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ
عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ
عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ
أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ
الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ
الْحَقِّ ".
فنفت
عنه ما يخافه بأمر ردته إلى مكارم الأخلاق لعظم منزلتها. والكل هو الضعيف الذي لا
يستقل بنفسه، وتكسب المعدوم: أي تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك.
وروى
الشيخان من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ
لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ". وقد اعترض ما دل عليه
الحديث بأنه إن كان العمر مقدر والرزق مقدر، فماذا تزيد صلة الرحم، والجواب أن ذلك
كله مقدر، فقدر الله أن فلانا سيصل رحمه وسيطول له عمره ويبسط له في رزقه بسبب صلة
الرحم.
وروى
البخاري أيضا من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ
لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ".
وروى
الشيخان من حديثْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " خَلَقَ
اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ
الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ
الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ
قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهو لكِ. قَالَ أَبُو
هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ
تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) ".
فقرن
في هذه الآية قطيعة الرحم بالإفساد في الأرض، لحكمة عظيمة، وهو أن من يقطع الرحم
يريد الإفساد في الأرض، فيهاجر ليبتعد عن ذوي رحمه ليتمكن من فعل ما يريد دون أن
يجد من ينهاه. وذلك أن الإسلام أمر بإصلاح ذات البين، قال تعالى: (فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ
وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [سورة: الأنفال
- الآية: 1]. لأنه إذا فسدت ذات البين قل الحياء وترك الناس تعاليم الدين، كما في
سنن الترمذي وأبي داود ومسند أحمد من حديث أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ
وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا بَلَى، قَالَ: صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ
الْحَالِقَةُ ". قَالَ الترمذي: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَيُرْوَى عَنْ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ، وَلَكِنْ
تَحْلِقُ الدِّينَ ".
وروى
الترمذي وأحمد من حديث الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " دَبَّ
إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ
الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ،
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا
تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ؟
لَكُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ ".
وروى
مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ
عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ
".
قال
تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
[سورة: الحجرات - الآية: 10].
والحالقة
هي المرأة التي أصيبت بابنها أو بزوجها أو بأبيها فتحلق شعرها نعيا على عادة أهل
الجاهلية، وقد برئ الإسلام من الحالقة والسالقة، وهي التي ترفع صوتها بالصراخ
والبكاء، والشاقة: وهي التي تشق ثوبها، كما قال طرفة بن العبد:
فإذا مت فانعِني بما أنا أهلُهُ * وشُقي علي الجيب يا
ابنة معبد *.
وقال
النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من شق الجيوب
أو لطم الخدود أو دعا بدعوى الجاهلية ". فأخبر أن الحالقة وإن كان
أمرها مستبشعا منكرا، فالحالقة الحقيقية هي فساد ذات البين لأنها تستأصل الدين من
أصله فيفسد المجتمع.
لهذا
جمع الله تعالى بين قطيعة الرحم والإفساد في الأرض.
ولهذا
جاء الوعيد الشديد بحرمان قاطع الرحم من الجنة. ففي البخاري ومسلم من حديث جُبَيْرِ
بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقُولُ: " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ
".
وفي
البخاري من حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قال: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " قَالَ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنَ
اسْمِي، فَمَنْ يَصِلْهَا أَصِلْهُ، وَمَنْ يَقْطَعْهَا أَقْطَعْهُ ".
وروى
البخاري من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ كَانَ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ".
والمراد:
الصلة بالأبدان أو بالمال أو بالجاه أي الشفاعة. والمقصودة هي الثانية، لأنها في
الغالب تفتقر إلى النية ومخالفة النفس الأمارة بالسوء، بخلاف الأولى والأخيرة.
ولهذا جاء الحث على النفقة على الأقربين في كثير من الآيات، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ
خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ
السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ)
[سورة: البقرة - الآية: 215]. وقال تعالى: (فَآتِ ذَا
الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ
يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [سورة: الروم
- الآية: 38]. وقال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى) [سورة: النحل - الآية:
90]. قال تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ
مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ
وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا
تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
[سورة: النور - الآية: 22]. والمعنى أن يعفو عما يصدر عن قرابته من الجفاء ونكران
الجميل،
وفي
صحيح مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ
إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ
وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: "
لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ
الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى
ذَلِكَ ". أي كأنه يطعمهم الرماد الحار.
وروى
البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَيْسَ الْوَاصِلُ
بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا
". ليس الواصل الحقيقي بالمكافئ: أي الذي يعطي لغيره نظير ما أعطاه ذلك الغير،
ولكن الواصل الحقيقة من يعطي من حرمه، وقد أخرج عبد الرزاق عن عمر موقوفا " ليس الوصل أن تصل من وصلك، ذلك القصاص، ولكن الوصل أن تصل من
قطعك ".
وفي
صحيح مسلم من حديث مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً، فَذَكَرَتْ
ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ
".
ما جاء في الهجرة
والتحذير من التقاطع والتدابر:
روى
الشيخان من حديث أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا
تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ
إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ
أَيَّامٍ ".
وروى
الشيخان أيضا من حديث أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا
يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ
فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ ".
وروى
مسلم من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: " تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ
فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْن،ِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ
لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ
فَيُقَالُ: اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى حَتَّى يَصْطَلِحَا ".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق